قبل أسبوعين من انعقاد أول مؤتمر لـ «تسوية حالات الإفلاس» التي ستنظمها «لجنة الإفلاس» في الرياض يومي 29 و30 نيسان (أبريل)، تقدمت 33 شركة سعودية بطلبات للإعلان عن إفلاسها، معظمها جاءت في قطاعات التشييد والبناء والتأمين والزراعة والصناعات الغذائية والأسمنت، ومن بين هذه الشركات نحو 14 مختصة بالمقاولات، وهي تشكل ما نسبته 42 في المئة من عدد الشركات المفلسة. طبعاً هذا فيما يتعلق بالشركات الكبيرة وذات الرأسمال العالي.
بالطبع «الخاسر الخفي» الذي لن يراه الناس هم المساهمون والمكتتبون في بعض الشركات، أما المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي غادرت السوق لإفلاسها أو عدم اكتمال إجراءات استخراج بقية الأوراق المتعلقة بممارسة النشاط أو تعثر في إدارة حكومية، فهي غير مشمولة في قائمة «المفلسين»، لأن عددها من المحتمل أن يكون أكبر، كما أن لإشباع السوق بمؤسسات التستر التجاري دور في خروج الكثير من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وقد لا يكونون مفلسين بقدر ما هم خاسرين ومتعثرين.
«المؤتمر» مهم لكونه يأتي بعد عام من إقرار قانون إجراءات الإفلاس الجديد، والتسوية الوقائية وإجراء إعادة التنظيم المالي وإجراء التصفية، ونحن نعلم أنه خلال العقود الماضية نتيجة ضعف الأنظمة والقوانين والرقابة، ساعدت في إفلات الكثيرين من العقوبة، أو مساءلة بعض أصحاب الشركات، كما أن بعضهم غادر السعودية والبعض الآخر قدّم معلومات مغلوطة وتحايل على الناس، وبذلك ضاعت حقوق الكثير من المساهمين والمكتتبين، أضف إلى ذلك أن بعض الأمناء الذين يتم تعيينهم من أجهزة القضاء لا يتم تقييمهم أو مراقبة أعمالهم وكيف يتعاملون، وهل بالفعل أثبتوا نجاحهم ويستحقون التمديد أم يجب استبدالهم، فالكثير من الأمناء يعيّن ويستحصل على أتعاب، وفي الأخير لا يتوصل إلى حلول مرضية، أو ينهي المشكلة.
قانون الإفلاس الجديد هو أول قانون شامل، ويتألف من 231 مادة موزعة على 17 فصلاً، ويهدف إلى تنظيم إجراءات الإفلاس، مثل: التسوية الوقائية، وإعادة التنظيم المالي، والتصفية، والتسوية الوقائية لصغار المدينين، إلى جانب إعادة التنظيم المالي والتصفية لصغار المدينين، إضافة إلى التصفية الإدارية، كما أنه سيرفع من مكانة السعودية في مؤشرات التقارير الدولية في مجال تسوية حالات الإعسار، إذ تحتل المملكة المركز 168 من بين 190 دولة حالياً، فضلاً عن أنه يمكّن المدين من تنظيم أوضاعه، وفي الوقت نفسه مراعاة لحقوق الدائنين.
«المؤتمر» الذي سيُعقد فرصة لمعالجة الخلل والقصور واكتشاف الثغرات، كما أنه من الضروري أن نستمع إلى تجارب دول وشركات، لنتعرف إن كان سبب الإفلاس نتيجة بعض الأنظمة والقوانين التي كانت مفروضة في السابق أم سوء إدارة. يجب أن ينظر القائمون في أوضاع الشركات المساهمة أسباب إفلاسها، هل هو ضعف السوق أم ظروف السوق الصعبة؟
في النظام الإداري في شركاتنا بعض أعضاء مجالس إدارتها يعمل في أكثر من شركة، ولا تعرف هل هو عضو مجلس أم حريص على جمع الغلة من أكثر من شركة مستغلاً موقعه ومكانته، ولا أعرف كيف يسمح النظام بأن يشغل رجل أعمال في أكثر من مجلس إدارة أو عضويتها في شركات مختلفة، أو يعيد انتخابه مرة تلو المرة، مع أنه لا يقدم ولا يؤخر، سوى أنه صديق أو معرفة، كما أن من المهم أيضاً في حال كانت الشركات المفلسة هي شركات مساهمة أو شركات كبرى، أن يحال مجلس إدارتها وأيضاً السابقة إذا استدعى الأمر وأنه كان السبب في وصول الشركة أو المنشأة إلى ما هي عليه الآن إلى التحقيق، وأيضاً منعهم وحرمانهم من عضوية مجلس إدارة أي شركة أخرى، فالغاية حماية الشركات وليس مكافأة اللصوص والمحتالين.
«لجنة الإفلاس» عليها دور كبير في تصحيح مسار بعض الملفات القديمة، وأيضاً مراجعة بعض الأنظمة والتشريعات، والإفلاس ليس عيباً أو فشلاً، ولكن هي فرصة للتوقف ومراجعة كل الاحتمالات وتمنح ثقة للمتعاملين في السوق السعودي وتحفظ حقوقهم وحقوق العملاء. خلال العامين الماضيين، صدرت العديد من إعلانات التشهير، كما تم تغريم شركات وأصحاب مؤسسات فردية منهم متعاملون في سوق الأوراق المالية، لذا من الضروري أن ترى الجهات المختصة هل هذه «الإدارات» كانت سبباً في عملية الإفلاس والدين؟ يهمنا أن نعرف أثر هذه القرارات على الاقتصاد السعودي؟
لدينا في العالم تجارب عدة، خاصة في الدول المتقدمة مثل الولايات المتحدة، إذ إن هناك العديد من الشركات التي أشهرت إفلاسها لتعلن أنها غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها أمام الدائنين، وعادة هذه تكون إما لقروض لصالح بنوك أو شركات تتعامل معها، وهذه الشركات إما أنها تعود بقوة بهيكل واسم جديد أو تتم تصفيتها، وهذا ما حدث مع الركود الاقتصادي الذي ضرب صناعة السيارات في 2008، إذ أعلنت شركة كرايسلر الأميركية في 2009 إفلاسها رسمياً، وبعدها مباشرة دخلت في تحالف مع شركة فيات الإيطالية وشكلت واحدة من أكبر 10 شركات لصناعة السيارات في العالم، ومثلما عادت بعض الشركات بقوة بعد إعلان إفلاسها، فإن هناك شركات أخرى انتهت وخرجت وغادرت السوق، لأنها لم تستطع مواجهة أزمتها.
أما الخوف الذي يراود الكثيرين من المتابعين لقضايا الإفلاس، فهو ألا ينتقل إلينا المفلس المحتال الذي يتظاهر أنه مفلس ومديون ويسجل على نفسه، وأقصد هنا على شركته، وأنه قيد ديوناً وهمية في دفاتره وباسم شخص آخر من أجل أن يتهرب من الديون أو يحرر سندات، كل هذا من أجل أن يحتال، وحينما يتقدم لإشهار إفلاسه يكون قد تهرب من التزامات الدفع واحتفظ لنفسه أو أخفى من أمواله أو عقاره شيئاً لنفسه.
سيكون إقرار «قانون الإفلاس» حدثاً مشوقاً لرجال الأعمال وأصحاب المشاريع ورجال القانون، وأيضاً لزيادة الوعي لدى الأفراد.
jamalbanoon@gmail.com
@jbanoon
* كاتب وصحافي اقتصادي.
تعليقات
إرسال تعليق