التخطي إلى المحتوى الرئيسي

في يدك ساعة - الحياة


في يدك ساعة؟

جمال بنون
| منذ 8 أبريل 2019 /  في 7 أبريل 2019 / 23:31

راجعت إحدى الإدارات الحكومية في محافظة جدة خلال الأسابيع الماضية لإنجاز معاملة. الأمر ليس معقداً أو صعباً، فقط خطاب من إحدى الإدارات إلى إدارة أخرى.

حينما راجعت هذا المرفق الحكومي لك أن تتخيل، لا توجد مواقف سيارات كافية حول المبنى، لذا تضطر لأن توقف سيارتك بعيداً ومن ثم تأتي إلى المبنى ماشياً، بعد ذلك عليك أن تنتظر أمام المصعد الصغير الذي يقف أمامه مراجعون بالعشرات، وبعد طول انتظار إلى أن يأتي دورك لتركب المصعد تكون قد أضعت المزيد من الوقت، وحينما تصل إلى الموظف تكتشف أنه يتعامل معك ببرود، زملاؤه في المكتب نفسه ويقول لك إن الموظف الذي يكتب الخطابات لم يحضر، انتظر حضوره، عندها تضطر إلى الجلوس وقتاً يستغرق حوالى الساعتين والموظف لم يحضر، فتضطر إلى المغادرة لأنك مرتبط بمواعيد أخرى. المهم، أمضيت أسبوعاً وأنا أراجع هذه الإدارة من أجل الحصول على خطاب، وحينما سألت لماذا لا يقوم موظف آخر مقام الموظف الذي يغيب أو يتأخر، أجابني أحدهم ببرود «روح كلم المدير»، وقد تجمّع الكثير من المراجعين يبحثون عن معاملاتهم، حتى علّق أحد المراجعين أين تباهيكم وتفاخركم بإنجاز المعاملات إلكترونياً (أونلاين) وبضغطة زر، المهم بعد مراجعة أسبوع استطعت أن أنجز معاملتي بشق الأنفس، لكم أن تتخيلوا كم من الوقت يضيع ويهدر دون أن يقدره أحده بثمن، نتيجة إهمال مسؤول أو موظف أو نتيجة بيروقراطية إدارية لا تزال تعمل بالعقلية نفسها في الإدارات الحكومية،

السبب الذي جعلني أمتص انزعاجي وأحمد الله، أننا لسنا في بلد يعتبِر «النظر في الساعة مضيعة للوقت». قرأت تقريراً كتبته إليزابيث أوهيني، وهي وزيرة سابقة وصحافية من غانا، ضمن سلسلة رسائل من أفريقيا، تقول فيها: «عندما رأيت وزير الأولومبياد الياباني يوشيتاكا ساكورادا مضطراً لتقديم اعتذار علني لوصوله متأخراً ثلاث دقائق لاجتماع برلماني، تساءلت كم وزير في غانا سيشكر الله أنه ليس يابانياً»، تضيف إليزابيت في تقريرها الذي نشر الأسبوع الماضي: «إن وصول المسؤولين متأخرين أمر طبيعي ومقبول في غانا، خاصة عندما كنت وزيرة دولة، كنت أصل في المواعيد المقررة فلا أجد أحداً سواي»، وكانت تعتقد أنه لو وصل الرئيس في موعده فإن هذه الثقافة ستتغير، وفي سبيل الإصلاح وتغيير هذا السلوك المشين في المجتمع الغاني، وضع فريق الرئيس في ذلك الحين، وهي تقصد حينما كانت إليزابيث في منصب وزير دولة، برنامجاً طموحاً كي يصل إلى موعده في المناسبات العامة، وقد كان المشهد في المرة الأولى مليئاً بالهرج والمرج فقد وصل التاسعة والنصف صباحاً وكان هناك مسؤولون كبار ودبلوماسيون يهرعون إلى مقاعدهم مع وصولهم متأخرين، بينما الرئيس يراقب الموقف، وتكتب وزيرة الدولة السابقة في الحكومة الغينية بأسف: «كان فريق الرئيس مصمماً على الاستمرار في هذا البرنامج حتى يعرف الجميع أن الرئيس ملتزم بمواعيده، ومن ثم يلتزم الجمع بها، ولكن لم يكتب لهذه التجربة النجاح، فقد كنت أشعر بالإحراج». هكذا كتبت اليزابيت في تقريرها، من الدبلوماسيين الأجانب في بلدنا فقد كان عليهم الانتظار لوقت طويل كي تبدأ مراسم أي مناسبة، ولكن سرعان ما اكتشفت أنهم أنفسهم يصلون متأخرين، وتعترف أن الفريق الرئاسي تخلّى عن تجربة التزام الرئيس بالوقت بعد ثلاث محاولات، مبينة أن قرار التخلي عن هذه المحاولة جاء تحت ضغط من البروتوكول ورجال الأمن الذين أصروا على أنه لا يجب أن يذهب الرئيس إلى مكان لم يستعد بعد.وفي مراسم أداء اليمين الدستوري أعرب رئيس غانا الحالي نانا أدو دانكاوا أكوفو أدو عن أسفه إزاء الثقافة السائدة بشأن بدء كل شيء في وقت متأخر عن موعده، كما تشير إليزابيث إلى أن الاجتماع المقرر أن يبدأ في غانا الساعة 11 صباحاً عادة ما يتأخر ما بين 45 دقيقة إلى ساعة كاملة، وتشمل ثقافة التأخر في المواعيد كل أوجه الحياة في غانا.


وتقول إليزابيث أيضاً: «إذا وعدني الخياط بإنجاز فستاني الجديد في ثلاثة أسابيع، أكون محظوظة لو حصلت عليه في ثلاثة أشهر»، ولا تقتصر المشكلة على بدء الأمور في موعدها فحسب، بل تمتد أيضاً لإنهائها في موعدها. وتختم إليزابيت تقريرها عن بلدها: «في الكنيسة مثلاً قد تذهب لحضور قداس في التاسعة صباحاً، ولكن ليس هناك وقت معلن لنهايته، فقد ينتهي الساعة 11.30 أو بعد الظهر أو في الواحدة أو في الثالثة»، كما حدث مع إليزابيث نفسها، وتضيف قائلة: «إنه من الأفضل ألا تنظر لساعتك في هذه المناسبات، فنحن بباسطة لا نتقيد بالوقت في غانا». وفي النهاية يسخر أهل غانا من عدم التزامهم بالوقت مثلما وصفتهم وزيرة الدولة أن GMT (التوقيت العالمي) يرمز إلى Ghana Maybe Time، أي «ربما توقيت غانا».

ربما كانت قصة التوقيت في غانا من محض الصدفة أن أجدها وأقدمها طازجة كمثال لأهمية الوقت في حياة الناس، فالقصة ليست قديمة، فقد نشرت الأسبوع الماضي، وهي أيضاً مثال جميل لضرورة احترام الوقت، والشعوب التي لا تحترم أو تتساهل في الوقت وتعتبره مراً طبيعياً فهذه الشعوب لا تتقدم ولا تنجز وتبقى مشروعاتها وحتى حضور المسؤولين إلى مكاتبهم وبداية العمل في الصباح وحتى موعد الانصراف هو وقت إنجاز.

وقيل في أهمية الوقت: إن تقدم الشعوب، خاصة في مجال الاستثمارات المتعلقة بالموارد، أصبح يعزى إلى نسبة السرعة والمهارات المتوافرة لإنجاز الأعمال المطلوبة، ويدخل ضمن العناصر الأساسية لإعطاء الحكم على الجودة في المجالات كافة، الكاتب جيمس ماكي كان قد نشر كتاباً عن إدارة الوقت، مشيراً فيه إلى أن كل من يتمكن من إدارة الوقت وعدم تضييعه في الأمور الشخصية يمتلك سمات مختلفة عن الأشخاص الآخرين، بحيث يتمكّن من استغلال الوقت بصورة أمثل، منها المقدرة على تحديد الأهداف والمثابرة والاجتهاد والمرونة وغيرها.

في الاقتصاد الوقت مهم جداً، فقد تغيّرت توجهات الشركات المتنافسة لكسب رضا الجمهور، من أهمها سرعة الإنجاز والتجاوب لحل مشكلاتهم، ونحن طالما وضعنا رؤية حديثة الغاية منها تحسين اقتصاد البلد ومداخيله وجذب الاستثمارات وفتح أبواب السياحة واستقطاب أعداد كبيرة من المعتمرين والحجاج، فإن الوقت وسرعة الإنجاز مهمان لمواكبة التقدم، ويجب أن تتعامل الجهات الرقابية بحزم وتقيّم أداء الموظفين، وحتى القيادات المسؤولة يجب ألا تكون فوق القانون في المحاسبة والمساءلة في حال عدم انضباطه.

احترام الوقت والمواعيد لا يخص فقط المؤسسات الحكومية، بل يجب أن يشمل كل حياتنا اليومية، وعلينا أن نرفع شعار «لا لتضييع الوقت ونعم لاحترام المواعيد» إذا كنا حقاً نريد أن نصنع شيئاً للمستقبل والأجيال القادمة.

jamalbanoon@gmail.com

@jbanoon

* كاتب وصحافي اقتصادي.

   

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لإمارات... تجربة خالفت نظريات التنمية

الإثنين ٣ ديسمبر ٢٠١٢ من رحم الصحراء، وشواطئ الخليج العربي، وإمارات متناثرة هنا وهناك، وقبائل متفرقة، خرجت دولة الإمارات العربية المتحدة، في وقت كانت الصراعات السياسية والاقتصادية على أشدها في المنطقة، وخلال عقود قليلة قطعت مسافات بعيدة مخالفة لكل نظريات التنمية، مقارنة بدول خليجية وعربية أخرى، من إمارات متناثرة إلى اتحاد متماسك ونموذجي. تجربة الإمارات، وهي تطفئ شمعتها الـ41، ليس فقط في مجال الاقتصاد فحسب، بل حتى في النمو المتسارع في التنمية كإحدى أكثر الدول التي تصنف على أنها ذات الدخل المرتفع، هي أول تجربة للاتحاد الفيديرالي في المنطقة العربية، أسهمت حكمة وحنكة مؤسسها الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في توحيد الرؤية الاتحادية واستقطاب حكام الإمارات الستة لتشكيل هذا الكيان. الحديث عن التنمية في دولة فتية مثل الإمارات ليس مجاملة أو تحيزاً ولا حتى تزلفاً، إنما بالفعل يحتاج إلى وقفة متأنية، كيف استطاعت أن تسرق هذا الاهتمام العالمي، تأتي في المرتبة السابعة عالمياً من حيث احتياطياتها النفطية، وتمتلك واحداً من أكثر الاقتصادات نمواً في غرب آسيا، واقتصادها هو الـ «22» من حيث ...

هل نعيد النظر لرسوم تأشيرات العمرة الجديد

هل نعيد النظر لرسوم تأشيرات العمرة الجديد هذا هو الموسم الاول للمعتمرين القادمين لزيارة مكة المكرمة والمدينة المنورة بعد ان اقرت الحكومة السعودية فرض رسوم على تأشيرات المعتمرين القادمين للمرة الثانية، حددت قيمة رسوم التأشيرة مبلغ الفي ريال، واستثنت القادمين للمرة الاولى، وهذه الخطوة هي الاولى في تاريخ السعودية التي بقيت لاكثر من 7 عقود وهي لا تحصل على اي رسوم للقادمين للحج او العمرة، والان لولا انها تعاني من ازمة مالية نتيجة تدني اسعار النفط التي كانت تعتمد على موازنتها المالية، ونتيجة الاوضاع الاقتصادية العالمية.  وقطاع العمرة تعرض لكثير من التطوير بهدف تقديم مستوى عال من الخدمة، فقد كان موسم العمرة يعمل فقط لعدة اشهر فقط، وهي من بعد شهر محرم الى شهر شعبان ورمضان، وبعد ان قامت الحكومة بمشاركة القطاع الخاص بعمل المزيد من الفنادق والمساكن حول المسجد المكي والنبوي لاستيعاب اعداد كبيرة وظهور العديد من شركات العمرة المحلية واعتماد شركات عمرة اجنبية وتوسعة الحرمين بحيث تستوعب المزيد من المعتمرين، ومع التنامي الكبير والاقبال المتزايد فتحت الحكومة السعودية العمرة طوال العام وا...

بعد اليوم.. توقع يقبضوا عليك.. وانت جالس امام النت

أوباما يعين رئيسا لجهاز الأمن الإلكتروني سيضم الجهاز الجديد وكالات حكومية معنية بالأمن الإلكتروني عين البيت الأبيض هوارد شميت رئيسا لجهاز الأمن الإلكتروني، بعد سبعة أشهر من البحث. وعُين شميت الذي كان مديرا تنفيذيا لإي باي ومايكروسوفت ومستشارا للرئيس الأمريكي السابق جورج بوش، بعد أن رفضَ المنصب عدد آخر من المرشحين. وعُهدت إلى شميت مهمة ضم عدة وكالات وهيئات تحت مظلة جهاز واحد للتصدي لهجمات قراصنة الإنترنت. وكان الرئيس الأمريكي باراك أوباما قد تعهد في شهر مايو/ أيار الماضي بتعيين شخص للقيام بهذه المهمة. وقال شميت: "أحمل معي لمواجهة التحدي دروس أربعين سنة من التجربة في الحكومة وفي الأعمال، وفي تطبيق القانون". وقال كذلك في كلمة مسجلة بثت على موقع البيت الأبيض: "في عالمنا الرقمي تحمل تكنولوجيا المعلومات التي نعتمد عليها كل يوم فرصا كبيرة، وخطرا عظيما". وقال شميت إن الرئيس أوباما حدد له بعض الأولويات، ومن بينها إعداد خطة جديدة لتأمين الشبكة عبر الولايات المتحدة، وضمان رد منظم من أجل التصدي لكل هجوم إلكتروني، والقيام بحملة تربوية للتوعية بالأمن الإلكتروني. إلا أن بعض الخبرا...