بصراحة... لم يغرِني أو يلفت انتباهي البيان الختامي لقمة دول مجلس التعاون الخليجي... لم يغرني كمواطن خليجي تعود أن يشاهد هذا المؤتمر على مدى 30 عاماً، حتى اجلس أمام الشاشة لأتابعه وأعرف ما الجديد؟ ربما الطريقة التي اعتاد المؤتمر الخروج بها أمام المواطنين الخليجيين هي التي جعلت الناس لا تهتم به كحدث سياسي مهم في المنطقة.
إعلامياً، لم يتغير أسلوب التغطية لهذا الحدث الخليجي المهم منذ بداية نشأته، فهي تعتمد على البيان الرسمي الختامي، ولا تسمح لأي مسؤول وزاري الإدلاء بتصريحات صحافية أثناء المؤتمر، أو التعليق على الجلسات، أو حتى على المواضيع المدرجة في جلسة القمة، وتبقى التغطيات الصحافية قائمة على الاجتهادات والتحليلات، وفي كثير من الأحيان يبقى الصحافيون والإعلاميون بعيدين تماماً عن ساحة المؤتمر في قاعات أخرى، الأمر الذي لا يفتح شهية الإعلام لتناول مواضيع أو التعليق مع شخصيات مهمة.
الشيء اللافت أن البيان الختامي لقمم الخليج بقي كما هو بالديباجة والمضمون نفسيهما ولم يتغير أسلوب كتابة النص الختامي، حتى بدا البعض يعتقد أنها نصوص مكررة تعتمد الإطالة والتنوع في القرارات وخلوها من قرارات تهم المنطقة، هذا الأسلوب أسوقه إلى الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي التي بقيت كما هي لم تطور في أداء عملها أو تغير في أسلوب إدارتها، حتى أن البعض صار يعتقد أنها اجتماعات النخبة، التصريحات الصحافية ممنوعة ونادرة، البيانات تكتب بطريقة قديمة ومطولة جداً.
60 في المئة من البيان الختامي يتضمن تهنئة القادة لبعضهم البعض، امتنان وشكر، واستنكار واستهجان وتضامن وغيرها من العبارات الأخرى، كل هذه العبارات عبّرت عنها دول الخليج في أوقات سابقة في ما بينها ولا تحتاج إلى أن تكون ضمن البيان الختامي. أعتقد بعد كل هذه السنوات من عمر مجلس التعاون الخليجي أن تطور أمانة المجلس من أسلوب كتابة صياغة المؤتمرات بما يتناسب مع العصر الذي نعيشه، وتطور أسلوب كتابة البيانات حتى لا تكون نصوصاً يجب الالتزام بها؛ فاللغة العربية قابلة للتطوير والتغيير في المعنى والأسلوب، كما أن صناعة المؤتمرات تغيرت عما كانت عليه في السابق، حينما كان الكلام المكتوب فارس الموقف، الأحوال تغيرت والناس لا تريد كلاماً مكتوباً منمقاً رسمياً.
30 عاماً على قيام مجلس التعاون الخليجي، والمواطنون يريدون أن يروا قضايا تهمهم وحلولاً لمشكلاتهم، يريدون أن يروا دول الخليج أكثر قوة وصلابة من قبل، أكثر تكاتفاً واتفاقاً في الرأي، يريدون أن يشاهدوا مشاريع تنموية تهدف إلى رفع كفاءة الموظف الخليجي ورفع مستوى التعليم، سهولة التنقلات وحل مشكلة البطالة، حلولاً لقضايا المرأة، يستطيع أن يدافع عن نفسه عندما يتعرض لهجوم أو تسلل، بعد ثلاثة عقود من المهم أن يعيد مجلس التعاون صياغة أهدافه وخططه وبرامجه بما يتناسب وتطلعات القادة نحو شعوبهم ومواطنيهم.
لا نريد أن يكون المجلس نسخة من شكل الاتحاد الأوروبي الذي تطور بشكل لافت وملاحظ خلال الـ «50 عاماً» الماضية، هي عمر الاتحاد، من اتحاد في السياسة الزراعية المشتركة والصيد البحري وتوحيد عملته المشتركة، على رغم أن عدد أعضائه يصل إلى 27 دولة.
أعتقد أن العدد القليل لدول مجلس التعاون، الذي يضم ست دول فقط، يجعلها قادرة على تحقيق نجاحات بالغة تكون مثالاً رائعاً وجيداً لأي تجمع إقليمي. حتى يتحقق النجاح لمؤتمرات قمة الخليج وغيرها من المؤتمرات واللقاءات الخليجية الجانبية هو أهمية التناول الإعلامي وإتاحة الفرصة للقاءات والحوارات والخروج من «فوبيا الإعلام»، والسماح له بالاقتراب أكثر من المسؤولين وأصحاب القرار للخروج بمعلومات مهمة، وتتيح فرصة النقاش، ولا تبقى مقيدة بأسلوبها القديم.
المؤتمرات هي نبض المجتمع، ومتى ما كانت مغلقة وأخذت الطابع الرسمي لا أحد يلتفت إليها، وأمانة مجلس التعاون من شأنها أن ترفع مستوى هذه المؤتمرات من حيث التنظيم والإعداد والتغيير في أسلوب الخطاب أو البيان الختامي، تستفيد من منظمات وجهات أجنبية في صياغة وإعداد البيانات، وأيضاً التحضير للمؤتمرات، فمن غير المعقول أن نظل نستمع إلى تعليقات من مذيعين أثناء البث المباشر تعبر عن الأمنيات فقط، وكل قناة من القنوات الفضائية التابعة لحكوماتها تكيل المديح لدولتها وتتجاهل دور الآخرين، أسلوب غير مقنع للمشاهد، وهذا يحدث لغياب النقل المشترك الموحد بما يخدم المصلحة.
في الواقع أمانة مجلس التعاون عليها، إذا رغبت في تطوير أداء اجتماعات المجلس، أن ترفع كفاءة العاملين لديها، خصوصاً في تنظيم المؤتمرات، وأيضاً رفع مستوى صياغة وأسلوب كتابة البيان الختامي لأي اجتماع وفتح الأبواب أمام الإعلام بشكل مريح، فالأبواب المشرعة تغير الهواء.
* إعلامي وكاتب اقتصادي.
تعليقات
إرسال تعليق